العيني

4

عمدة القاري

ثُمَّ أفِيضُوا مِنْ حَيثُ أفَاضَ النَّاسُ قال كانُوا يُفِيضُونَ مِنْ جَمْعٍ فدُفِعُوا إلَى عَرَفاتٍ . ( الحديث 5661 طرفه في : 0254 ) . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : * ( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ) * ( البقرة : 991 ) . لأن الأمر بالإفاضة من حيث أفاض الناس لا يكون إلاَّ بعد الوقوف بعرفة ، فصاروا مأمورين بالوقوف في عرفة . ذكر رجاله : وهم خمسة : الأول : فروة ، بفتح الفاء وسكون الراء وفتح الواو : ابن أبي المغراء ، بفتح الميم وسكون الغين المعجمة وبالراء وبالمد ، مر في آخر الجنائز . الثاني : علي بن مسهر ، بضم الميم وسكون السين المهملة وكسر الهاء وبالراء : قاضي الموصل ، مر في : باب مباشرة الحائض . الثالث : هشام بن عروة وقد تكرر ذكره الرابع : عروة بن الزبير . الخامس : أم المؤمنين عائشة ، رضي الله تعالى عنها . ذكر لطائف إسناده : فيه : التحديث بصيغة الجمع في موضعين والإخبار بصيغة الإفراد في موضع . وفيه : العنعنة في موضعين . وفيه : القول في موضعين . وفيه : أن شيخه من أفراده وأنه وابن مسهر كوفيان ، وأن هشاما وأباه عروة مدنيان . وفيه : أن من قوله : ( قال عروة ) إلى قوله : ( وأخبرني . . ) موقوف ومن قوله وأخبرني إلى آخره ، متصل . وفيه : قال عروة ، وفي رواية عبد الرزاق عن معمر : عن هشام بن عروة عن أبيه . ذكر معناه : قوله : ( عراة ) ، جمع عارٍ ، كقضاة جمع قاضٍ ، وانتصابه على الحال من الضمير الذي في يطوفون ، وقد مر تفسير الحمس عن قريب . قوله : ( وما ولدت ) أي : وأولادهم ، واختار كلمة : ما ، على كلمة : من ، لعمومه . وقيل : المراد به والدهم وهو كنانة ، لأن الصحيح أن قريشا هم أولاد النضر بن كنانة ، وزاد معمر هنا : وكان ممن ولدت قريش خزاعة وبنو كنانة وبنو عامر بن صعصعة . وعن مجاهد أن منهم أيضا عدوان وغيرهم . قوله : ( ويحتسبون ) أي : يعطون الناس الثياب حسبة لله تعالى . قوله : ( يفيض ) ، أصله من إفاضة الماء وهو صبه بكثرة . وقال الزمخشري ، أفضتم دفعتم من كثرة الماء . قوله : ( جماعة الناس ) أي : غير الحمس . قوله : ( من عرفات ) ، هو علم للموقف ، وهو منصرف إذ لا تأنيث فيها . قاله الكرماني : والتحقيق فيه ما قاله الزمخشري . فإن قلت : هلا منعت الصرف وفيه السببان التعريف والتأنيث ؟ قلت : لا يخلو التأنيث ، إما أن يكون بالتاء التي في لفظها ، وإما بتاء مقدرة كما في سعاد ، فالتي في لفها ليست للتأنيث ، وإنما هي مع الألف التي قبلها علامة جمع المؤنث ، ولا يصح تقدير التاء فيها ، لأن هذه التاء لاختصاصها بجمع المؤنث مانعة من تقديرها كما لا تقدر تاء التأنيث في بنت ، لأن التاء التي هي بدل من الواو لاختصاصها بالمؤنث كتاء التأنييث ، فأبت تقديرها . انتهى . وسميت عرفات بهذا الاسم إما لأنها وصفت لإبراهيم ، عليه الصلاة والسلام ، ، فلما بصرها عرفها . أو لأن جبريل ، عليه الصلاة والسلام ، حين كان يدور به في المشاعر أراه إياها ، فقال : قد عرفت . أو لأن آدم ، عليه الصلاة والسلام ، هبط من الجنة بأرض الهند ، وحواء ، عليها السلام ، بجذة ، فالتقيا ثمة فتعارفا أو لأن الناس يتعارفون بها . أو لأن إبراهيم صلى الله عليه وسلم عرف حقيقة رؤياه في ذبح ولده ثمة أو لأن الخلق يعترفون فيها بذنوبهم . أو لأن فيها جبالاً ، والجيال هي الأعراف ، وكل عال فهو عرف . قوله : ( من جمع ) ، بفتح الجيم وسكون الميم : هي المزدلفة ، وسمي به لأن آدم ، عليه الصلاة والسلام ، اجتمع فيها مع حواء ، عليها السلام ، وازدلف إليها أي : دنا منها أو لأنه يجمع فيها بين الصلاتين ، وأهلها يزدلفون أي : يتقربون إلى الله تعالى بالوقوف فيها . قلت : أصلها مزتلفة لأنها من زلف ، فقلبت التاء دالاً لأجل الزاي . قوله : ( قال : وأخبرني أبي ) أي : قال هشام : وأخبرني أبي عروة عن عائشة ، رضي الله تعالى عنها . قوله : ( إن هذه الآية ) أي : قوله : * ( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ) * ( البقرة : 991 ) . واختلف أهل التفسير في هذه الآية ، فقال الضحاك : يريد إبراهيم ، عليه السلام ، يعني : يريد من الناس إبراهيم ، عليه الصلاة والسلام ، ويؤيد ما رواه الترمذي : حدثنا قتيبة حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عمرو بن عبد الله بن صفوان عن يزيد ابن شيبان ، قال : أتانا ابن مربع الأنصاري ، ونحن وقوف بالموقف ، مكانا يباعده عمرو ، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : كونوا على مشاعركم فإنكم على إرث من إرث إبراهيم ، عليه الصلاة والسلام ، وقال : حديث حسن صحيح ، واسم ابن مربع : زيد ، وقيل : يزيد ، وقيل : عبد الله بن مربع ، بكسر الميم وسكون الراء وفتح الباء الموحدة وفي آخره عين مهملة . ويزيد بن شيبان أزدي وله صحبة . قوله : ( كونوا على مشاعركم ) أي : على مواضع المناسك ، وفي رواية أبي داود : ( قفوا على مشاعركم ) ، وفي رواية حسين بن عقيل عن الضحاك : ( من حيث أفاض الناس ) ، أي : الإمام ، وقيل : آدم ، عليه الصلاة والسلام ،